International Journal for Muslim World Studies (IJMWS)

Formerly known as International Journal of Muslim Unity (IJMU)

العولمة اللغوية فرصها وتحدياتها لوحدة الأمة الإسلامية

فرصها وتحدياتها لوحدة الأمة الإسلامية العولمة اللغوية

.   أ.د. أحمد شيخ عبد السلام

تمهيد

تتميز الأمة الإسلامية بتنوع شعوبها وتعدد ثقافاتها الإقليمية وتشعب لغاتها ولهجاتها، وقد تمكنت الأمة عبر عصورها التاريخية من تجاوز حواجز التنوعات، فتحققت وحدتها تحت راية العقيدة السمحاء. ويقتضي استمرار التفاعل الحضاري فيما بين المسلمين وتوسع فرص تحاورهم الحضاري مع الشعوب غير المسلمة التخطيط للحفاظ على وحدة الشعوب المسلمة، في ظل التأثيرات الخارجية التي لها تبعات داخلية بعيدة المدى على كيان الأمة الإسلامية وتقدمها الحضاري وأوضاعها الاجتماعية. ولكن هذه التأثيرات تتيح فرصا قيمة، كما تشكل تحديات خطيرة لوحدة الأمة الإسلامية. والعولمة بأبعادها اللغوية وتبعاتها الاقتصادية والاتصالية والاجتماعية والثقافية والفكرية والمعرفية والتربوية تتضمن الفرص التي تتطلب حسن الاستثمار، والتحديات التي تستلزم الاستجابة الموجهة؛ نظرا لتأثيراتها الممكنة في جهود توحيد الأمة الإسلامية سلبا وإيجابا.

وإذا كانت الأبعاد اللغوية للعولمة تعكس هيمنة لغة بعينها على غيرها في أداء الوظائف الاتصالية في المجالات المتصلة بالعولمة، لتكون حلا للصراع الذي لا يتفادى بين اللغات والناتج عن التحاور بين الحضارات والتبادل بين الثقافات، فإن الواقع الاجتماعي الإنساني يقرّ بأن التنوع اللغوي وضع طبعي للغات. وتلك عولمة لغوية تشكل تحديا كبيرا إذا ما قصد التعويض عنها بعولمة لغوية بديلة تحافظ على وحدة الشعوب المنتسبة إلى عقيدة واحدة، وتستجيب للتحديات الحضارية المعاصرة المتأثرة بالعولمة بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتناسب مع المنظور الإسلامي الذي يجعل التنوع اللغوي آية من آيات الله، ويجعل اكتشاف التنوع والتعامل معه تحديا حضاريا يتم في ضوء التعارف والتعاون والاتحاد؛ لكي تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى. وللعولمة اللغوية صلة من جانب آخر بحقوق الأقليات اللغوية والثقافية في العالم الإسلامي، وحقوق العرب وغير العرب من المسلمين في الحفاظ على ثقافاتهم ولغاتهم، فضلا عن صلة قضاياها بالوقائع التاريخية اللغوية والثقافية والدينية للشعوب المسلمة.

واعترافا بالوظيفة المهمة التي تؤديها اللغة في توحيد بعض الكيانات السياسية، وانطلاقا من الوعي بخطورة العولمة اللغوية للعلاقات بين الشعوب المسلمة، تناقش هذه الدراسة سبل استثمار الفرص المتاحة وتوجيه التحديات الواردة لصالح تحقيق الوحدة الإسلامية، فتحاول بمنهجية تحليلية الإجابة عن هذين السؤالين: ما الأبعاد اللغوية للعولمة في كيان الأمة؟ وما الفرص والتحديات التي ترد من العولمة اللغوية للشعوب الإسلامية في سعيها لتحقيق وحدتها؟ وتهدف من ذلك إلى إبراز مدى استفادة القوى الفاعلة في العولمة من الأبعاد اللغوية لها في تحقيق أهدافها وخططها الحضارية، وإلى إبراز تأثير العولمة اللغوية في تحديد أنماط الوضع اللغوي في العالم الإسلامي، ومدى اقتضاء وحدة الأمة الإسلامية للغة معولمة خاصة بها في ظروف العولمة. ويرجى أن تنتهي الدراسة إلى مقترحات عملية يمكن أن تفيد في التعامل مع أبعاد العولمة اللغوية من أجل تحقق وحدة الأمة الإسلامية.

هذا، وتشمل المناقشة العولمة اللغوية واقتضاء وحدة الأمة للغة، ولغات الاتصال الشائعة بين الشعوب المسلمة، ونماذج من خبرات التعامل مع التنوع اللغوي والعولمة اللغوية، والفرص والتحديات الاجتماعية والثقافية، والفكرية

والمعرفية، والتربوية والاتصالية للعولمة اللغوية لوحدة الأمة الإسلامية، وكيفية الاستفادة من هذه الفرص والتحديات، ومقترحات عملية أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الدراسات التي تناولت العولمة اللغوية تشير إلى هيمنة اللغة الإنجليزية، وتعتني بتأكيد الخصوصية اللغوية والثقافية، ولكن الدراسة الحالية تنظر في إمكان الاستفادة من أبعاد العولمة اللغوية وأدواتها وأساليبها في تحقيق وحدة الأمة الإسلامية. ولم تكن هذه المهمة سهلة؛ لما لوحظ من فرق جوهري بين غاية العولمة التي هي فرض النمط الغربي الأمريكي على جميع مناحي الحياة بما فيها اللغة، وبين المنظور اللغوي الإسلامي والرسالة الإسلامية المعترفة بالتنوع في سياق وحدة العقيدة.

*  أستاذ دكتور بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.