فكرة الشرق أوسطية وأثرها في التحولات الجيوسياسية في العالم الإسلامي
الد أ. ناصر يوسف
مقدمة
لقد تعددت المقاربات الفكرية والفلسفية والسياسية والاقتصادية في تناولها لفكرة أو موضوعة “الشرق أوسطية” وأثرها في التحولات الجيوسياسية داخل العالم الإسلامي. فكان السؤال المثار والمقلق في آن هو كيف سيتعامل المسلمون مع هذه الفكرة التي هدفها يتجه نحو رسم خريطة سياسية واقتصادية جديدة للعالمين العربي والإسلامي؛ بينما قد تكون هذه التحولات الجيوسياسية في خدمة غير المسلمين، بل إنها تهدد وحدتهم ومصيرهم المشترك وتفكك نسيجهم الاجتماعي؟ فلو استفدنا من مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه[1] التي تؤاخذ الفلاسفة على إغفالهم لأهمية الحس التاريخي من أجل فهم أفضل لإخفاقات الحداثة من جهة والبحث عن خلاصها من أجل زعزعة استقرار
السياسي الذي رسم معالم الدولة الحديثة ومحاولة تحليل عميق للمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي استجدت في نهاية القرن العشرين إن لم تكن قبل ذلك بكثير، وبدأت ملامحها تظهر في مطلع الألفية الثالثة. إن قراءة متأنية وموضوعية في بيانات المنطقة وتبايناتها تستكشف بأن الأمر على غاية كبيرة من الصعوبة والتعقيد. لأن غياب المعطيات الحقيقية لا تسمح للدارسين بتقديم مقاربات علمية دقيقة لهذه الأطروحة الجديدة. ولعل السؤال الجوهري الذي يطرحه المرء بمجرد ورود هذه الفكرة إلى ذهنه يتمثل فيما يأتي:
ماهي الأهداف السياسية والاقتصادية البعيدة والقريبة من تسويق هذه الفكرة إعلاميا وفكريا؟ وماهي التعديلات الجغرافية التي تلحق منطقة الشرق الأوسط؟ ثم ما هي التغييرات السياسية التي ستتبع تلك التعديلات الجغرافية؟ والسؤال المباشر ما موقع ” دولة إسرائيل” جغرافيا واقتصاديا وسياسيا في هذا المشهد الجيوسياسي الذي يحاول أن يرسم معالم جديدة للشرق الأوسط؟ ماهي المشاريع والخطط والاستراتيجيات الموضوعة فوق الطاولة وتحتها؟ ولماذا الدعوة لفكرة شرق أوسطية؟ وكيف تنظر إلى وحدة الأمّة الإسلامية؟
سنحاول من خلال هذه الدراسة إلقاء بعض الضوء – في حدود المعطيات التي هي بين أيدينا- على هذه الفكرة التي لها انعكاسات خطيرة لا تخفى على أحد على وحدة الأمة الإسلامية. لقد سبق لكثير من الباحثين أن عالجوا هذه المسألة من زوايا علمية تتعلق بالتعاون والوحدة)المعكوسة) بوصفها مطلبا يقتضيه سلام الشجعان. ولا نروم الحديث عن هذه الإشكالية العلمية دون أن نأخذ دور الإنسان المسلم في الحسبان، وما يمكن أن يضطلع به من تغيير الأوضاع وإسهام نوعي في إيجاد البدائل المناسبة لذلك. لا يتم هذا التغيير المنشود ما لم يغير المسلم ما بنفسه؛ ثم تصبح فاعلية التغيير التي يقوم بها في هذه المرحلة التاريخية من الضرورات القصوى لتجاوز الآثار السلبية التي تحدثها
على أن ما يحدث في المنطقة عمل مدبر تدبيرا محكما في العلن والخفاء لتفكيك النسيج الوحدوي للأمة الإسلامية وتدمير طاقتها الحيوية حتى لا تحقق نهضة حقيقية، وتنجز تنمية ناجحة. إننا نعتقد بأن الإنسان المسلم فاعل مهم في إفشال كل ما يحاك من “مؤامرات” بالتسلح بوعي يقظ من أجل تجاوز أزماته. فإيماننا راسخ بأن الإنسان هو بداية الأشياء ونهايتها، وهو صانع الأحداث ومحركّها . فهو الذي يحوّل المشهد البيئي من جاهلية إلى عالمية ، وقد تجلى ذلك في مجتمع صدر الإسلام ، كما يتسنى له تحويل الدمار إلى إعمار اقتصادي واجتماعي وقد تجلى ذلك في قدرة الإنسان الياباني على إعادة بناء وطنه بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد تزايدت عيوب العالم الإسلامي وتكاثرت إخفاقاته، ولعل السبب يعود بالدرجة الأولى إلى إهمال قدرات الإنسان المسلم أثناء مواجهة الأزمات الاقتصادية والكوارث الاجتماعية. فقد أُهدرت طاقاته إلى درجة أصبح فيها العالم الإسلامي يستعين بما هو غير إنساني من موارد مالية ومادية لتخطي محنته، ويعتقد أن الاعتماد الكلي على الغرب سبيل أنجع لتشخيص أعراضه المرضية، وتوفير العلاج الأنسب لما هو فيه من علل.
تنطلق هذه الدراسة من الإيمان بأن الإنسان يعد محوراً أساسا في طبيعة التحولات السياسية والاقتصادية والأخلاقية التي تترتب عن تأثير فكرة الشرق أوسطية التي نحن بصدد تقديم مقاربة لجوانبها الجيوسياسية. قد يتبين لنا بتحكيم الحس التاريخي لواقع الإنسان المسلم بأنه كان في الغالب الأعم يتحرك ضد مصالحه الحيوية وضد مشاريعه التنموية خدمة لمصالح غيره، وفي الوقت نفسه كان صلداً في مواقف أخرى لا يتراجع فيها قيد أنملة، وإن حدث تراجع ما فإن لدور الأنظمة والسياسات ما يفسّر ذلك!! إن تجميع أسباب القوة الذاتية عمل سيكون كافياً لتغيير استراتيجية إسرائيل وغيرها تجاهه. وقد تكون هذه رغبة كل إنسان في التغيير، وبخاصة إذا كان هذا الإنسان مسلماً له عقيدته وأفكاره وقيمه التي بفضلها يملك أن يعيد بناء العالم من جديد، ويرسم استراتيجية تعيد للكون توازنه.